فخر الدين الرازي

169

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الباقون فإنهم أجروا اللفظ على ظاهره وهو الإخبار بأنه ما اقتحم العقبة . ثم قال تعالى : [ سورة البلد ( 90 ) : آية 12 ] وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فلا بد من تقدير محذوف ، لأن العقبة لا تكون فك رقبة ، فالمراد وما أدراك ما اقتحام العقبة ، وهذا تعظيم لأمر التزام الدين . ثم قال تعالى : [ سورة البلد ( 90 ) : آية 13 ] فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) والمعنى أن اقتحام العقبة هو الفك أو الإطعام ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفك فرق يزيل المنع كفك القيد والغل ، وفك الرقبة فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية وإبطال العبودية ، ومنه فك الرهن وهو إزالة غلق الرهن ، وكل شيء أطلقته فقد فككته ، ومنه فك الكتاب ، قال الفراء في « المصادر » فكها يفكها فكاكا بفتح الفاء في المصدر ولا تقل بكسرها ، ويقال : كانت عادة العرب في الأسارى شد رقابهم وأيديهم فجرى ذلك فيهم وإن لم يشدد ، ثم سمي إطلاق الأسير فكاكا ، قال الأخطل : أبنى كليب إن عمى اللذا * قتلا الملوك وفككا الأغلال المسألة الثانية : فك الرقبة قد يكون بأن يعتق الرجل رقبة من الرق ، وقد يكون بأن يعطي مكاتبا ما يصرفه إلى جهة فكاك نفسه ، روى البراء بن عازب ، قال : « جاء أعرابي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه دلني على عمل يدخلني الجنة ، قال : عتق النسمة وفك الرقبة قال : يا رسول اللّه أو ليسا واحدا ؟ قال : لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة ، أن تعين في ثمنها » وفيه وجه آخر وهو أن يكون المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يتكلفه من العبادة التي يصير بها إلى الجنة فهي الحرية الكبرى ، ويتخلص بها من النار . المسألة الثالثة : قرئ : فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ ، والتقدير هي فك رقبة أو إطعام وقرئ : ( فك رقبة أو أطعم ) على الإبدال من اقتحم العقبة ، وقوله : وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض ، قال الفراء : وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية لقوله : ثُمَّ كانَ [ البلد : 16 ] لأن فك وأطعم فعل ، وقوله : كانَ فعل ، وينبغي أن يكون الذي يعطف عليه الفعل فعلا ، أما لو قيل : ثم إن كان « 1 » كان ذلك مناسبا لقوله : فَكُّ رَقَبَةٍ بالرفع لأنه يكون عطفا للاسم على الاسم . المسألة الرابعة : عند أبي حنيفة العتق أفضل أنواع الصدقات ، وعند صاحبيه الصدقة أفضل ، والآية أدل على قول أبي حنيفة : لتقدم العتق على الصدقة فيها . [ سورة البلد ( 90 ) : آية 14 ] أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : سغب سغبا إذا جاع فهو ساغب وسغبان ، قال صاحب « الكشاف » : المسغبة

--> ( 1 ) أي يكون المعطوف ( إن كان ) وهي جملة اسمية شرطية .